Free Web Hosting Provider - Web Hosting - E-commerce - High Speed Internet - Free Web Page
Search the Web

مقتل الامام الحسين عليه السلام

Text Box: المكتبة الحسينيّة
Text Box:   الصفحة الرئيسيّة
صبيحة العاشر

        لما أصبح الحسين يوم عاشوراء قام خطيباً في أصحابه بعد صلاة الغداة فحمد الله وأثنى عليه ثم قال إن الله سبحانه وتعالى قد أذن في قتلكم وقتلي في هذا اليوم فعليكم بالصبر والقتال ثم صفهم للحرب فكانوا سبعة وسبعين ما بين فارس وراجل فجعل زهير بن القين في الميمنة وحبيب بن مظاهر في الميسرة وأعطى رايته أخاه العباس عليه السلام وثبت هو عليه السلام وأهل بيته في القلب وجعلوا البيوت في ظهورهم وأمر بحطب وقصب كان من وراء البيوت ان يترك في خندق كانوا قد حفروه هناك في ساعة من الليل وأن يحرق بالنار مخافة ان يأتوهم من ورائهم فنفعهم ذلك واقبل عمر بن سعد نحو الحسين بن علي عليهما السلام على اقل الروايات في ثلاثين الفاً جعل على الميمنة عمرو بن الحجاج الزبيدي  وعلى الميسرة شمر بن ذي الجوشن وعلى الخيل عروة بن قيس وعلى الرجالة شبث بن ربعي وكانت الراية مع دريد مولاه وأقبلوا يجولون حول البيوت فيرون النار تضطرم في الخندق فنادى شمر : يا حسين تعجلت بالنار قبل يوم القيامة فقال الحسين (ع) : من هذا ؟ كأنه شمر ؟ قيل نعم  فقال له الحسين : يا ابن راعية المعزى أنت أولى بها صلياً فرام مسلم بن عوسجة ان يرميه بسهم فمنعه الحسين وقال  أكره ان ابدأهم بقتال .

 

خطبة الإمام الحسين الأولى

        ولما نظر الحسين الى جمعهم كأنه السيل رفع يديه بالدعاء وقـــال اللهم انت ثقتي في كل كرب ورجائي في كل شدة وأنت لي في كل أمر نزل بي ثقة وعدة كم من هم يضعف فيه الفؤاد وتقل فيه الحيلة ويخذل فيه الصديق ويشمت فيه العدو أنزلته بك وشكوته اليك رغبة مني اليك عمن سواك فكشفته وفرجته فأنت ولي كل نعمة ومنتهى كل رغبة ، ثم دعا براحلته فركبها ونادى بصوت عالٍ يسمعه جلُّهم أيها الناس اسمعوا قولي ولا تعجلوا حتى أعظكم بما هو حق لكم علي وحتى أعتذر إليكم من مقدمي عليكم فان قبلتم عذري وصدقتم قولي وأعطيتموني النصف من أنفسكم كنتم بذلك أسعد ولم يكن لكم علي سبيل وان لم تقبلوا مني العذر ولم تعطوا النصف من انفسكم فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن امركم عليكم غمة ثم اقضوا الي ولا تنظرون ان وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين فلما سمعن النساء هذا منه صحن وبكين وارتفعت أصواتهن فأرسل اليهم أخاه العباس وابنه علياً الأكبر وقال لهما سكتاهن فلعمري ليكثر بكاؤهن ولما سكتن حمد الله وأثنى عليه وصلى على محمد (ص) وعلى الملائكة والأنبياء وقال في ذلك ما لا يحصى ذكره ولم يُسمع متكلمٌ قبله ولا بعده أبلغ منه في منطقه ثم قال : الحمد لله الذي خلق الدنيا فجعلها درا فناءٍ وزوال متصرفةً بأهلها حالاً بعد حال فالمغرور من غرته والشقي من فتنته فلا تغرنكم هذه الدنيا فانها تقطع رجاء من ركن اليها وتخيب طمع من طمع فيها وأراكم قد اجتمعتم على امر أرى أنكم قد أسخطتم الله فيه عليكم وأعرض بوجهه الكريم عنكم وأحل بكم نقمته وجنبكم رحمته فنعم الرب ربنا وبئس العبيد أنتم أقررتم بالطاعة وآمنتم بالرسول محمد (ص) ثم إنكم زحفتم الى ذريته وعترته تريدون قتلهم لقد استحوذ عليكم الشيطان فأنساكم ذكر الله العظيم فتبَّاً لكم ولما تريدون انا لله وانا اليه راجعون هؤلاء قوم كفروا بعد ايمانهم فبعداً للقوم الظالمين أيها الناس انسبوني من أنا ثم ارجعوا الى أنفسكم وعاتبوها وانظروا هل يحل لكم قتلي وانتهاك حرمتي ألست ابن بنت نبيكم وابن وصيه وابن عمه وأول المؤمنين بالله والمصدق برسوله بما جاء من عند ربه أوليس حمزة سيد الشهداء عم أبي أوليس جعفر الطيار عمي أولم يبلغكم قول رسول الله لي ولأخي هذان سيدا شباب أهل الجنة فإن صدقتموني بما أقول وهو الحق والله ما تعمدت الكذب منذ علمت ان الله يمقت عليه أهله ويضر به من اختلقه وإن كذبتموني فإن فيكم من إن سألتموه عن ذلك أخبركم سلوا جابر بن عبد الله الأنصاري وأبا سعيدٍ الخدري وسهل بن سعد الساعدي وزيد بن أرقم وأنس بن مالك يخبروكم أنهم سمعوا هذه المقالة من رسول الله لي ولأخي أما في هذا حـاجـزٌ لكم عن سفك دمي؟ فقال الشمر :  هو يـعـبــد اللّه على حــرف إنْ كـانَ يدري ما يقول فقال له حــبــيـب بن مظـاهر والله اني أراك تعبد الله على سبعين حرفاً وأنا أشهدُ انك صادق ما تدري ما يقول قد طبع الله على قلبك ثم قال الحسين : إن كنتم في شك من هذا القول أفتشكون أني ابن بنت نبيكم فوالله ما بين المشرق والمغرب ابن بنت نبي غيري فيكم ولا في غيركم ويحكم أتطلبوني بقتيل منكم قتلته أو مال لكم استهلكته او بقصاص جراحة فأخذوا لا يكلمونه فنادى يا شبث بن ربعي ويا حجار بن أبجر ويا قيس بن الأشعث  ويا زيد بن الحارث ألم تكتبوا إلي أن اقدم قد أينعت الثمار واخضر الجناب وإنما تقدم على جند لك مجندة فقالوا لم نبعث قال سبحان الله بلى والله لقد فعلتم ثم قال أيها الناس إذا كرهتموني فدعوني أنصرف عنكم الى مأمني من الأرض فقال له قيس بن الأشعث أولا تنزل على حكم بني عمك فإنهم لن يروك الا ما تحب ولن يصل اليك منهم مكروه فقال الحسين أنت أخو أخيك أتريد أن يطلبك بنو هاشم أكثر من دم مسلم بن عقيل لا والله لا أعطيهم بيدي إعطاء الذليل ولا أفر فرار العبيد عباد الله إني عذت بربي وربكم أن ترجمون أعوذ بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب ثم أناخ راحلته  وأمر عقبة بن سمعاناً فعقلها :

 لم  أنسه  إذ  قام  فيهم  خاطباً              فإذا  هم  لا  يملكون  خطابا
 يدعو ألست أنا ابن بنت نبيكم
       
      وملاذكم إن صرف دهر نابا
هل جئت في
 دين  النبي  ببدعة              أم  كنت  في أحكامه  مرتابا
 أم
 لم  يوص  بنا  النبي وأودع              الثقلين  فيكم  عترةً  وكتابا
إن
 لم  تدينوا   بالمعاد  فراجعوا              أحسابكم  إن  كنتم  أعرابا
فغدوا حيارى لا يرون
 لوعظه               إلا الأسنة  والسهام  جواباً

خطبة الإمام الحسين الثانية

        ثـمّ إنَّ الحـسـين ركب فـرسه ، وأخـذ مصـحفاً ونشـره عـلى رأسه ، ووقـف بـإزاء القـوم وقال : يـاقوم إن بيني وبينكـم كتـاب اللّه وسـنّة جـدّي رســول اللّه صـلى اللّه عـليـه وآله وسـلم ثـمّ استــشـهدهم عن نفـسه المقـدّسة ، وما عـليـه مـن سـيف النبـي ودرعه وعمامتـه ، فأجـابوه بالتصـديق . فسألهم عمّا أقدمهم على قتله قالوا : طاعةً للامير عبيداللّه بن زياد فـقـال عـليه السـلام : تـبـاً لكم أيّتها الجـماعة وترحـاً أحين استصـرخـتمونا والهين ، فأصرخـناكم موجفين ، سللتـم علينا سيفاً لنا في أيمانكم ، وحـششتم عـلينا ناراً اقـتـدحـناها على عدوّنا وعدوّكم فـأصـبـحتم ألباً لأعدائكم علـى أوليـائكـم ، بــغـير عـدل أفـشــوه فيكم ، ولا أمل أصـبـح لكم فيهم ، فهلاّ لكم الويلات تركتمونا والسيف مشيم والجأش طامن والرأي لما يستصحــف ، ولكـن أسـرعـتـم إليـهـا كطـيرة الدبــا ، وتـداعيتم عليها كتهافـت الفراش ثـمّ نـقـضـتـموها فـسـحـقاً لكـم يا عـبـيد الاُمّة ، وشـذاذ الأحزاب ، ونَبَذَةَ الكـتـاب ، ومـحـرّفـي الكلم ، وعـصـبة الإثـم ، ونفثـة الشـيطـان ،ومطفئي السـنن ويحـكم أهؤلاء تـعـضـدون ، وعنا تتخـاذلون أجـَلْ واللّه غـدرٌ فيكـم قـديـم ، و شـجـت عـليه اُصـولكـم، وتأزرت فـروعكم فكنـتم أخـبث ثمر شــجٍ للنـاظـر، وأكـلة للغـاصـب. ألا وإنّ الدّعـي بـن الدّعي (يعني ابـن زيـاد) قـدْ ركـز بــين اثــنتــين ، بـين السـّلة والذّلة ، وهـيهات مـنّا الذّلــة يـأبـى اللّ‍ه لنـا ذلك ورسـوله والمـؤمنون ، وحـُجـور طـابت وحجور طهرت واُنوف حـمية ، ونفوس أبـية من أن نؤثـر طـاعـة اللئام على مصـارع الكرام ألا وإنـي زاحـف بــهـذه الاُسـرة عـلى قـلة العدد وخـذلان الناصـر . ثــــم انشد أبيات فروة :

فـإن  نهـزم  فهـــزّامــون   قدمـا            وإن  نـُهْـــزَم  فغـير  مُهـزَّمينــــا
ومـا
 ان  طبنـا  جُـبــْن   ولكــن             منـايانــا ودولـــة آخـــرينـــا
فقـــل للشامتيـن بنــا أفيقـــوا       
     سيلقــى  الشامتــون   كما   لقينـــا 

        أمـا واللّه لا تـلبــثـون بـعـدها إلاّ كـريـثما يركب الفـرس ، حتى تدور بكم دور الرحـى ، وتـقلِقَ بـكم قلق المحور ، عهد عهدهُ اليّ أبي عن جـدّي رسول اللّه صـلى اللّه عـليه وآله وسـلم فـأجـمعوا أمركـم وشـركاء كم ثـمّ لا يكـن أمـركـم عـليكم غـُمّة ، ثـمّ اقـضـوا إليّ ولا تـُنـظـرون إني تـوكلت على اللّه ربّي وربكّم ، ما من دابة إلاّ هــو آخــذ بناصــيتـــها ، إنّ ربّي عــلى صراط مسـتـقـيم . ثـمّ رفـع يديه وقال : اللّهم احـبـس عنهم قطـر السماء ، وابعث عـليـهـم سـنـين كـسـنيّ يوسـف وسلّط عليهم غـلام ثــقـيف يسقيهم كأساً مـصـبـّرة فـإنهم كـذّبونا وخـذلونا ، وانت ربُّنا عـليك توكّلنا وإليك المصير .

 

بدء القتال

        ثم انه عليه السلام بعد ان القى عليهم الحجة توجهوا نحوه يزحفون بخيلهم ورجالهم ، ونشبت بينهم معركة دامية وكان اول من رمى من الطرفين هو عمر بن سعد عليه اللعنة قائلاً : إشهدوا لي عند الأمير بأنني أول سهم رميته ، وكان اول من تقدم من جهة الامام الحسين (ع) أصحابه ، فصاروا يتقدمون واحداً تلو الآخر ، رضوان الله عليهم فكان يتقدم الواحد ، يودع الحسين قائلاً : السلام عليك يا أبا عبد الله ، صلى الله عليك وعلى أهل بيتك وعرف بيننا وبينك في الجنة ، وعرّف بيننا وبين محمد وآل محمد فكان الحسين عليه السلام يقول : آمين آمين ويرد عليهم السلام .

 

واعية الحسين عليه السلام

        لما أراد وهب أن ينصر مولاه الحسين توجه الى ميدان كربلا ، أخذ يقاتل قتال الأبطال ، ثم رجع الى أمه : أماه هل رضيتي عني ؟

        قالت له : أماه لن أرضى عنك حتى تقتل بين يدي الحسين ، سمعته زوجته ، قالت : لا تفجعني بنفسك ، وإذا بأمه تخاطبه : بني لا لك عليها ، أبرز وقاتل دون الطيبين . يقول : بينما أنا أقاتل دون الحسين وإذا بي أرى من يشجعني خلفي ، لما التفتت واذا بها زوجتي : ما بالك ، قبل قليل كنت تمنعيني والآن تشجعيني ؟ قالت : يا وهب لا تلمني ، فإن واعية الحسين قطعت نياق قلبي . قال لها : ويحك ماذا  سمعتيه يقول ؟ تقول : رأيت سيدي ومولاي واقفاً عند باب خيمته ينظر يميناً وشمالاً وهو يقول : ألا من ناصر ينصرنا ، ألا من معين يعيننا ، وقف عند أجساد أصحابه وهو يناديهم يا حبيب ويا زهير ويا برير مالي اناديكم فلا تجيبون ، وادعوكم فلا تأتمرون ، نيام أنتم أرجوكم تنتبهون .

 

 

مقتل علي الأكبر

        تقدم شبيه المصطفى خَلقاً وخُلقاً ومنطقاً علي الأكبر سلام الله عليه ، إستأذن اباه الحسين عليه السلام فأذن له الإمام الحسين بعد أن ألحَّ عليه فتوجه نحو المعركة ، وما ان توجه إذ بالامام الحسين رفع يديه قائلاً : اللهم اشهد على هؤلاء القوم إنه برز إليهم غلام أشبه الناس برسولك (ص) خَلقاً وخُلقاً ومنطقاً وكنا اذا اشتقنا الى رؤية نبيك نظرنا اليه ، اللهم ففرقهم تفريقا ومزقهم تمزيقا واجعلهم طرائق قددا ولا ترضي الولاة عنهم أبدا فانهم دعونا لينصرونا فغدوا علينا يقاتلونا فبرز علي الأكبر نحو المعركة شاهراً سيفه قائلاً :

 أنا علي بن الحسين بن علي                           نحن   وبيت  الله   أولى  بالنبي
تالله لا يحكم فينا ابن الدعي
          
                 أضربكم بالسيف أحمي عن ابي
أطعنكم بالرمح حتى
 ينثني                            طعن  غلام    هاشمي    علوي

         حتى قتل منهم مقتلة واشتد به العطش وكان قد برز اليه بكر بن غانم فقتله واجهز عليه ثم رجع الى ابيه الحسين (ع) يذكر ما أجهده من العطش ، قال: أبه أبه ثقل الحديد قد أجهدني والعطش قد أضر بي ، فقال له : بني يعزُّ علي ان تطلب مني الماء فلا أجده ما أسرع الملتقى بجدك المصطفى يسقيك بشربة لا تظمأ بعدها ابداً ، بني عد عد الى المعركة فحمل ثانية واقبل نحو القوم يضرب فيهم ضربا قويا حتى أكمل عددهم على المئتين ، إلى أن جزعوا لكثرة ما قتل منهم فكمن له عند ذلك مرة بن منقذ العبدي عليه اللعنة فما ولى اللعين حتى ضرب علي الاكبر على رأسه فتعلق علي بالجواد فجال به الفرس بين الجيش الى ان قطعوه بالسيوف إربا اربا واستغاث بابيه الحسين مناديا : أبه عليك مني السلام ، يا أبتاه أدركني ، سمع صوته الحسين ، أقبل اليه ، كشف عنه الأعداء ، جلس عنده : بني لعن الله قوما قتلوك ما أجرأهم على الرحمن وعلى انتهاك حرمة الرسول ، بني ، بني علي ، على الدنيا بعدك العفا  .

 

مقتل القاسم

        ثم بعد ذلك تقدم القاسم عليه السلام وطلب الإذن من الحسين (ع) ، فأذن له الحسين (ع) بعد أن أراه وصية والده الحسن ، أتى به الحسين الى خيمة سميت باسم الحسن (ع) وكانت أمه رملة في داخلها فأخرج الحسين من الخيمة صندوقاً فتحه وأخرج منه عمامة الحسن ، فعمم بها القاسم ثم ألبسه ثيابا بهيئة الأموات ، وبعد ذلك وإذ ببنات رسول الله أحطن به يودعنه ، وبينهن أمه التفتت عليه:

يا ابني يا جاسم هالوقت حيلك لعمك ضمه                       لهالوقت أنا ذاخرتك بالك تخيب ظنوني
هز
 الرمح  وتكنى  وقلها  يا  والدة  دعيلي                       رايح  أن  يا  والدة من غير ما تقوليلي

        فخرج القاسم من الخيمة ثم توجه نحو المعركة يرتجز قائلاَ :

ان تنكروني فأنا نجل الحسن          سبط  النبي  المصطفى  والمؤتمن
هذا حسين كالأسير المرتهن           بين أناس لا سقوا صوب المزن

        حتى قتل منهم جماعة ، فبرز اليه عند ذلك عمر بن سعد الاسدي عليه اللعنة ، قائلا : والله لأثكلن به عمه الحسين فقال له حميد بن مسلم : ويلك يكفينا الذين احتوشوه من كل جانب ، فقال : لا لا والله حتى اضرب ضربتي  ، فما ولى اللعين حتى ضرب القاسم على هامته فخر الى الارض مضرجاً بدمه ، مستغيثا بعمه الحسين أقبل اليه الحسين فقتل قاتله وأقبل جلس عند راسه :

بكى وناداه يا جاسم اش بايدي                     يا ريت السيف قبلك حز وريدي

        جلس عنده  يقول : يعز والله على عمك ان تدعوه فلا يجيبك أو يجيبك فلا يعينك او يعينك فلا ينفعك فحمله وتوجه به نحو المخيم  .

 

مقتل العباس

        عندها تقدم ابو الفضل نحو الحسين وقد خنقته العبرة ، قال : والآن يا ابن رسول الله أما لي من رخصة ، قال: اخي اخي عباس أنت حامل لوائي فمن لي بعدك

        قال : أخي اذا كان لا بد اذهب واطلب لهؤلاء الاطفال ماء ، فحمل على القوم قائلا :

انا الذي اعرف عند الزمجرة                           بابن علي المسمى حيدرة
انا الذي اعرف عند الزمجرة                           بابن علي المسمى حيدرة

        حتى كشفهم عن الماء ، ما ان وصل الى الماء ، ملئ القربة ولكن من شدة عطشه غرف غرفة من الماء ليشرب فتذكر عطش الحسين فرمى الماء وقال :

يا نفس من بعد الحسين هوني                                 وبعده لا كنت او تكوني
هذا
  حسين   وارد   المنون                                  وتشربين    بارد   المعين

        ثم حمل نحو القوم ، فصاح عمر بن سعد : ويلكم حولوا بينه وبين ايصال الماء الى المخيم فلئن وصل الماء الى الحسين لا تمتاز ميمنتكم عن ميسرتكم فحمل عليهم العباس وقتل منهم مقتلة عظيمة ، الى ان كمن له رجل وراء نخلة ،فلما مر به ابو الفضل ضربه بسيفه على يمينه فبراها ، فالتقت السيف بشماله وهو يقول :

والله  ان  قطعتم   يميني                                   اني  احامي ابدا عن ديني
وعن امام صادق اليقين
                                  سبط النبي الطاهر الامين

        ثم قطعوا شماله فراح يقول :

قد  قطعوا  ببغيهم   يساري                      فاصلهم يا رب حر النار
يا نفس لا تخشي من الكفار            
           وابشري   برحمة   الجبار
                           
مع النبي السيد المختار

        فبينما هو كذلك واذ بالسهام نزلت عليه مثل المطر ، فوقع سهم في نحره ، وسهم في صدره  وأصاب سهم عينه اليمنى فطفاها ، وسهم أصاب القربة فأريق ماؤها ، فجاؤا بعمد الحديد ، وضربوه على ام رأسه فهوى على الارض مناديا : أخي يا حسين ادركني  فوصل اليه وجلس عنده فوجده مطبوخ الجبين : أخي ابا الفضل ، الآن انكسر ظهري الآن شمت بي عدوي وقلت حيلتي ، أراد أن يحمله الحسين الى المخيم

يقلله خوي حسين خليني بمكاني                         يقلله  ليش  يا  زهرة   زماني
يقلله
   واعدت   سكنة  وتراني                          بماي واستحي منها وما اقدر

        قال: أخي دعني أموت في مكاني ، اوّلاً نزل بي الموت ، وثانياً أنا مستح من سكينة لاني وعدتها بالماء وكذلك الاطفال ، ثم ان العباس رفع رأسه من حجر الحسين ومرغه بالتراب ، فأمسك الحسين رأس العباس وأعاده الى حجره ن فأرجع العباس رأسه الى الارض ثانية حتى فعلها ثلاث مرات ، فقال له : أخي أبا الفضل لماذا كلما رفعت رأسك ووضعته في حجري تعيده الى الأرض ، قال : اخي أبا عبد الله أنت الآن تأخذ برأسي ولكن بعد ساعة من يأخذ برأسك

يا خوي من يغمضلك عيونك                     ومين يوقف لعند الموت دونك

        عند ذلك صاح : أخي ابا عبد الله ، ضع فمك على فمي ، فوضع فمه على فمه حتى أفاضت روحه الزكية، أي واسيداه واعباساه .

 

 

        رأى أحد الموالين سيدنا ومولانا الحسين في منامه وكان جسمه مثخناً بالجراحات فاستعجب ذلك من منظر جسد الحسين ، ففز من نومه مرعوباً ، ثم توجه إلى قبر الحسين وخاطبه ، الى ان رآه في منامه مرة اخرى وقد برئت جميع الجراحات ، قال سيدي ومولاي أبا عبد الله ، عندي سؤال : قبل أيام رأيتك في منامي وكان جسدك مثخنٌ بالجراحات والآن لا أرى إلا جرحاً ، قال له صدقت ، ان دموع شيعتي تبرئ جراحاتي ، ولكن هناك جرحان : جرح في قلبي وجرح في ظهري ، لا يبرءان حتى القى الله ، فأما الجرح الذي في قلبي فهو جرح علي الاكبر ، واما الجرح الذي في ظهري فهو جرح أخي أبي الفضل العباس .

 

الطفل الرضيع

        عاد الامام الحسين الى المخيم منحني الظهر واذ بزينب استقبلته بطفل تحمله ، وهو عبد الله الرضيع قائلةً أخي يا أبا عبد الله هذا الطفل قد جفَّ حليب أمه ، فاذهب به الى القوم علّهم يسقوه قليلاً من الماء ، خرج الامام الحسين سلام الله عليه اليهم وكان من عادته اذا خرج الى الحرب ركب ذا الجناح، واذا توجه الى الخطاب كان يركب الناقة، ولكن هذه المرة يقول الراوون : خرج راجلاً يحمل شيئاً يظلله من حرارة الشمس صاح ايها الناس ، فاشرأبت الاعناق نحوه قال : أيها الناس إن كان ذنب للكبار فما ذنب الصغار فاختلف القوم ما بينهم : منهم من قال لا تسقوه ، ومنهم من قال اسقوه ، ومنهم من قال لا تبقوا لاهل هذا البيت باقية ، عندها التفت عمر بن سعد الى حرملة بن كاهل الاسدي ، قال له يا حرملة اقطع نزاع القوم ، يقول حرملة : فهمت كلام الامير ، فسددت السهم في كبد القوس وصرت أنتظر أين أرميه ، فبينما أنا كذلك اذ لاحت مني التفاتة الى رقبة الطفل ،  تلمع على عضد ابيه الحسين كانها إبريق فضة عندها رميته بالسهم ، ذلك الطفل كان مغمىً عليه من شدة الظمأ ولكن عندما وصل اليه السهم ذبحه من الوريد إلى الوريد ، ذلك الطفل كان مغمىً عليه رفع يديه من تحت قماطه واعتنق اباه الحسين وصار يرفرف بين يديه كالطير المذبوح ، وضع الحسين يده تحت نحر الرضيع حتى امتلأت دماً رمى بها نحو السماء ، قائلا : اللهم لا يكن عليك اهون من فصيل ناقة صالح  ، قال الراوون : فلم يقع من ذلك الدماء إلى الارض نقطة واحدة ، عاد به الحسين الى المخيم ، استقبلته سكينة : ابه يا حسين ، لعلك سقيت عبد الله ماءً وأتيتنا بالبقية ، قال بني سكينة هذا أخوك مذبوح من الوريد الى الوريد .

مقتل الإمام الحسين عليه السلام

        عاد الى قتال العسكر ودخل وسطهم وضربهم بالسيف فضعضع اركان العسكر والرجال تفر من بين يديه وتنحاز عنه يمنةً ويسرى حتى خضَّب الارض بدماء القتلى فجعل يقاتلهم حتى قتل منهم ألوفاً ولا يبين النقص فيهم لكثرتهم ، قال حميد بن مسلم لقد رأيت الحسين يجول بين الصفوف وشيبته مخضوبة بالدم ودرعه بني عليه بنياناً ليس يرى للناظر حتى أثخنوه بالجراح ، هذا والأعداء يحملون عليه وهو يحمل عليهم فينكشفون عنه وهو في ذلك يطلب شربة من الماء فلا يسقوه أبداً ، هذا والعطش أثر بعينيه حتى صار لا يبصر بهما وأثر بلسانه حتى صار كالخشبة اليابسة وأثر بأحشائه بحيث صار الغبار يدخل في فمه وينزل في جوفه أي وآ اماماه ، وأثر العظش في قواه وهو مع ذلك يضرب فيهم بسيفه فصاح عمر بن سعد عليه اللعنة ، صاح بأصحابه : الويل لكم يا حمقاء أتدرون من تقاتلون ؟ هذا ابن الانزع البطين ، هذا ابن قتال العرب ، فحملوا عليه حملة رجل واحد وافترقوا عليه أربعة فرق ضرباً بالسيوف وطعناً بالرماح ورمياً بالسهام ورضخاً بالحجارة ، ولم يزل يقاتل عليه السلام حتى أصابه اثنان وسبعون جراحة ، فوقف يستريح ساعةً وقد ضعف عن القتال فبينما هو واقف اذ رماه أبو الحتوف الجعفي بسهم فوقع على جبهته المباركة ، أخذ الثوب ليمسح الدم عن جبينه الشريف فأتاه سهم مسموم له ثلاث شعب ، فوقع على قلبه الشريف فرفع رأسه الى السماء قائلاً : إلهي تعلم أنهم يقتلون رجلاً ليس على وجه الأرض ابن بنت نبي غيره ، وكلما أراد أن ينتزع ذلك السهم من موضعه لم يتمكن ، انحنى على سرج قربوس فرسه قائلا : بسم الله وبالله وعلى ملة جدي رسول الله فاستخرج السهم من قفاه وجرى الدم كالميزاب من صدر إمامنا الحسين ،  قال الراوي : خرج مع ذلك السهم ثلثا كبد ابي عبد الله ، خر صريعاً الى الارض ، جعل جواده يدور حوله ويأخذ عنانه بأسنانه ويضعه بيد الحسين (ع) مشيراً إليه بالقيام فلما رأى الجواد أن الحسين لا قابلية له على النهوض ، خضَّب ناصيته بدمه ثم أقبل نحو المخيم يحمحم ويصهل صهيلاً عالياً يقول : الظليمة الظليمة لأمةٍ قتلت ابن بنت نبيها ، ما ان وصل إلى المخيم خرجن بنات رسول الله لاستقباله وقد ظنن بأن الحسين عاد مرة ثانية ، خرجن وبينهن زينب  ، نظرن وإذ بالجواد خالٍ من راكبه ، وكأني بزينب :

يا مهر  حسين  وين  حسين  قلي              انا شوفك جيتني تصهل بذلي
والله انا بعد حسين قلي وين أولي               ومالك
 روعت قلبي ما اقدر

        خرجنا بنات رسول الله من الخدور ناشرات الشعور ، على الخدود لاطمات ، للوجوه سافرات ، وبالعويل داعيات ، وبعد العز مذللات ، والى مصرعك مبادرات ، حتى وصلن الى ابي عبد الله وهو ملقىً على وجه الارض والدم يجري من جسده الشريف ، القين بأنفسهن عليه ، هذه تخضب شعرها بدمه ، تلك تشمه ، تلك تظلل عليه من حرارة الشمس بردائها 

فواحدة     تحنو     عليه    تضمه                       واخرى عليه بالرداء تظلله
واخرى بفيض النحر تصبغ شعرها     
                  واخرى تفديه واخرى تقبله

        وكاني بزينب جلست عند راسه سكينة عند رجليه زينب تخاطب سكينة تقول لها : عمه عمه يا ابنة اخي ، عليك باخي ان نجلسه ، عله يتكلم معنا عله يحاكينا .

        بينما هنّ كذلك واذ بشمر قد اقبل وهو يقول تنحي تنحي عنه يا زينب ، هذا وزينب منكبة على اخيها تقبله فوصل اليها ماسكا رمحها وضربها برأس الرمح فوقعت مغمى عليها فتحت عينيها واذ بها ترى راس الحسين على راس الرمح  

        وآحسيناه وآاماماه

يا محمداه  صلى  عليك  مليك  السماء            هذا حسين مرمل بالدماء
مقطع الاعضاء مسلوب العمامة والرداء          
 وشيبته  مخضوبة   بدمائه
                                يداعبها غاد النسيم ورائح

يوم الأربعين في عاشوراء

        هذا يوم الاربعين ، لما رجعت القافلة الى كربلا ، كان الامام زين العابدين دائماً يتروى بزينب ، كنا يوصي العائلة بزينب : هالله هالله بزينب ، كان يتحدث عن زينب ، همه الأكبر زينب ، كانت تفيض عينيه بالدموع ، رجعت القافلة يوم الاربعين ، ووصلت زينب الى كربلا الى قبر الحسين (ع) وهي تقول : أخي ابا عبد الله لمن ترت الاطفال والنساء .

        اقبلت القافلة من الشام فارسل معهم يزيد بن معاوية دليلا ليدلهم على الطريق ، وصلت القافلة الى نفترق طرق ، فوقفت القافلة والنساء على المحامل ، وزينب على هودجها ، عليها ستار ، فدنا رسول يزيد من الامام زين العابدين قائلا : سيدي ان يزيد امرني ان امتثل لأمرك ، فمرني سيدي انا في خدمتك : هذا طريق الى المدينة والحجاز ، وهذا طريق الى العراق وكربلا ، لما سمع الامام باسم كربلا صاح ، أيها الجما أمهلني حتى ارى عمتي زينب ، فأقبل (ع) الى عمته زينب ، كشف ستار المحمل ، نادى : عمه زينب هذا طريق الى المدينة والحجاز ، وهذا طريق الى العراق وكربلا ، الى ايهما يا ابنت علي ، لما سمعت باسم كربلا صاحت : يا ابن اخي كربلا كربلا ، خذنا الى كربلاء ، إني مشتاقة الى كربلا ، الى الحسين ، الى اخي ابي الفضل ، اربعين يوم ما شافت كربلا ، أربعين وما ما رأت الحسين ، لما سمعت سكينة من محملها ، كشفت ستار المحمل وصاحت : عمه زينب خذينا الى كربلا اني مشتاقة الى عمي ابي الفضل ، انا لا اريد ماء انما اريد عمي ابي الفضل

        يا جمال بهدوء على قلب النساء

        جلست على الأرض :

انا   اقعد    على   درب                       واسال اللي يروحون ويجون

        سارت القافلة ، مرت لحظات وساعات ، مشت القافلة ، سكينة كشفت ستار المحمل ، توجهت نحو الشام  ونادت : حبيبتي رقية ، نحن ذاهبون الى قبر ابيك ابي عبد الله ، سارت القافلة ووصلت الى كربلاء ، لما وصلت زينب الى مشارف كربلا ، صاحت كربلا كربلا كربلا

صاحت يا وادي كربلا عنك مشينا               بوي   تتصدق    الآدم     علينا
                    
          
وعطايا الخلق كلها منينا

        فرمت النساء بأنفسهن على القبور : ليلى هوت عللى قبر ولدها علي الأكبر ، رملة على بر القاسم ، زينب وسكينة على قبر الحسين ، لما نزلن الى القبور : ليلى تنادي واعلياه ، رملة تنادي واقاسماه ، سكينة تنادي واحسيناه، زينب تنادي وامحمداه .

ليلى    قالت   نصيبي   يا  ابني                       نصيبي   انقطع   منك    نصيبي
يا ابني انا ردتك ذخر ليوم شيبي
                       يا اما وانا المحروم من شمة حبيبي

        رملة تذكرت وصية القاسم :

يا امه ذكريني من تمر زفة شباب                        حنيتي دمعي والجفن ذارف تراب

        زينب اقبلت الى قبر ابي عبد الله ، وكانت تخفي شيئا تحت ردائها ، وضعته في القبر أهالت عليه التراب ، لم يعرف أحد ماذا وضعت ، ولكن عرف الجميع عندما صاحت :

يا خوي انا جيتك وجبت الراس واياي                       من السبي وكانت بيه سلواي

        قامت زينب الى قبر على العلقم ومعها النساء ، لما وصلن النساء ، زينب وضعت يديها على رأسها وصاحت: واعباساه

        عباس يا راعي الشيم هذا محلكم

        صارت تشتكي الى اخيها :

        أخي كلما اراد الشمر ان يضر الناقة يضربها ضربة ويضرب على كتفي ضربة :

        خوي ضربني على متوني وشتمني

هذه زينب ومن قبل كانت                      بفنى دارها تحط الرحال
أمست
    اليوم   يا  لقومي                     تصدق          الانذال  

 

 

 

الإمام وحيدا

        ولما ضاق الامر بالحسين (ع) وقد بقي وحيداً فريداً ، توجه نحو القوم وقال : يا ويلكم علام تقاتلوني :  على حق تركته أم على سنة غيرتها ام على شريعة بدلتها فقالوا بل نقاتلك بغضاً منَّا بأبيك وما فعل بأشياخنا يوم بدر وحنين ، فلما سمع كلامهم بكى وصار ينظر يميناً وشمالاً ، فلم يرى أحداً من اصحابه وأنصاره الا من صافح التراب جبينه ، ومن قطع الحمام أنينه ، فنادى : يا مسلم بن عوسجة ويا حبيب بن مظاهر ، يا زهير بن القين ، يا عباس بن علي ، يا علي الأكبر ، يا فلان ، يا فلان ، يا ابطال الصفا وفرسان الهيجا مالي اناديكم فلا تجيبون ، وأدعوكم فلا تسمعون ، أأنتم نيام أرجوكم تنتبهون ، أم حالت مودتكم عن إمامكم فلا تنصروه ، هذه نساء الرسول لفقدكم قد علاهن النحول، فقوموا من نومتكم أيها الكرام ، وادفعوا عن حرم الرسول الطغاة اللئام ، ولكن صرعكم والله ريب المنون ، وغدر بكم الدهر الخؤون ، والا عن نصرتي فلا تقصرون ، ولا عن دعوتي تحتجبون فها نحن عليكم مفتجعون ، وبكم لاحقون فإنا لله وانا اليه راجعون ، ثم التفت الى خيم بني ابيه فرآها خالية منهم ثم التفت الى خيم بني عقيل فوجدها خالية منهم أيضا ، ثم التفت الى خيم أصحابه فلم ير أحدا منهم فجعل يكثر من قول : لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .

الإمام في الميدان

        خرج الحسين نحو القوم ، مصلتاً سيفه ، ودعا الناس إلى البراز فلم يزل يقتل كل من برز إليه حتى قتل  جمعاً كثيراً ، ثم حمل على الميمنة وهو يقول :

القتل أولى من ركوب العار                          والعار أولى من دخول النار

        وحمل على الميسرة وهو يقول :

أنا الحسين بن علي                              آليت  أن   لا   أنثني
أحمي
 عيالات  أبي                              امضي على دين النبي

         قال بعض الرواة : فو الله ما رأيت مكثوراً قطّ قتل ولده وأهل بيته وصحبه أربط جأشاً منه ولا أمضى جناناً ولا أجرأ مقدماً ولقد كانت الرجال تشدُّ عليه فيشد عليها بسيفه فتنكشف عنه انكشاف المعزى اذا شد فيها الذئب ، ولقد كان يحمل عليهم وقد تكاملوا ثلاثين ألفاً ، فينهزمون من بين يديه كأنهم الجراد المنتشر ثم يرجع الى مركزه وهو يقول : لا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم ، ثم حمل من نحو الفرات على عمر بن الحجاج وكان في أربعة الآف فكشفهم واقتحم الفرس الماء فلما هم الفرس ليشرب قال الحسين (ع) مخاطباً جواده : أنت عطشان وأنا عطشان فلا أشرب حتى تشرب، فرفع الفرس رأسه وكأنه فهم الكلام ، ولما مدَّ الحسين يده ليشرب واذ بنداءٍ من خلفه : يا حسين أتلتذ بالماء وقد هتكت حرمك فرمى الماء ولم يشرب وقصد الخيمة فوجدها سالمة .

 

الإمام في المخيم مجددا

        التفت يمينا وشمالا :

ألا هل من يقدم لي جوادي                            وانا ابن بنت رسول الله

        فسمعت زينب عليها السلام نداء الحسين فخرجت اليه وهي مكسورة الخاطر آخذة بعنان الجواد تقول : أخي أبا عبد الله ، لمن تنادي وقد قرحت فؤادي ، وليس في الخيام سوى الاطفال و النساء ، ولكنها تبكي ، دموعها تتحادر على خديها ، التفت اليها قائلا لها : اخيَّ زينب مما بكاؤك فقالت أخي ، أي اخت تقدم جواد المنية لأخيها ، ثم سألها عن سكينة قبل أن يذهب ، فقالت له انها في خيمتها تبكي ، فذهب اليها ، وصل ، وجدها واضعة رأسها بين ركبتيها تنشج نشيجاً عالياً ، جلس إلى جنبها : بني سكينة ، أنا موجود ، لماذا تبكين ، قالت : أبه كأنك استسلمت للموت ، قال : بلى بلى بنيَّ ، وكيف لا يستسلم للموت من لا ناصر له ولا معين ، قالت :  أبه ابه اذاً ردنا الى حرم جدنا ، فقال : بني ، بني سكينة ، هيهات ، لو ترك  القطا ليلا لغفا ونام 

يا بوي نروح كلتنا فداك                            خدنا للقبر يا حسين واياك
                        اهي ساعة يا بوية واقعد واياك

        خرج (ع) ، ما ان خرج واذ به يصطدم بطفلة من آل عقيل ، أمسكها ، ضمها الى صدره رآها ترتعش ، ترجف ، قال : فاطمة بني ماذا دهاك قالت : عم عم يا حسين العطش قد أضر بي ، قالت خذني معك للعلقم ، اسقني  معك ، فقال بني انا ذاهب اليهم اخبرهم بظمأك قالت : لا لا يا عم تذهب وترجع هذا يطول علي لكن احملني معك ، قال بني فاطمة : إذا حملتك من الذي يردُّك ، صاحت زينب : بني فاطمة انزلي ، أحرقت قلوبنا ، أجريت دموعنا ، بينما هو كذلك واذ بالقوم ينادوه : يا حسين جبنت عن الحرب وجلست في خيمة النساء ، فقام الحسين (ع) وركب جواده وتوجه نحو القوم ، واذ بصوت من خلفه : أبه يا حسين ، لي اليك حاجة التفت الى ورائه واذ هي حبيبة قلبه سكينة ، قال : بني وما حاجتك ، قالت : أبه اطلب منك أن تنزل من على ظهر جوادك ، فنزل الحسين من على ظهر الجواد ، دنت منه وقالت : أبه اجلس على الارض ، فجلس الحسين عليه السلام ، فجلست في حجره وقالت : ابه ابه امسح على رأسي فتحادرت دموع الحسين على خديه وعلم بأنها تقول : ابه ابه امسح على رأسي كما يمسح على رؤوس اليتامى

سيطول بعدي يا سكينة فاعلمي                        منك البكاء اذا الحمام دهاني
لا تحرقي
 قلبي  بدمعك  حسرة                         ما دام مني الروح في جثماني

        قام عليه السلام ، مشى قليلاً ، واذ بمصيبةٍ اخرى ، فاجعةٍ اخرى ، سمع صوتاً آخر ، التفت خلفه ، واذا هي زينب عاثرة بأذيالها حافيةً تمشي على رمضاء كربلاء ، قالت له ، أخي حسين لي اليك حاجة ، قال وما حاجتك أخيه يا زينب ، قالت : أخي اكشف لي عن بعض صدرك فكشف لها الحسين عن صدره ، تقدمت اليه ، وضعت فمها على نحره ، على صدره جعلت تشمه في نحره وتقبله في صدره ثم وجهت وجهها نحو المدينة وصاحت : أماه يا زهراء ، أماه يا فاطمة لقد استرجعت الوديعة واخذت الأمانة ، ما إن سمع الحسين بذكر أمه الزهراء حتى بكى قال اخيه ما الوديعة ومن الامانة قالت اعلم يا ابن ام لما دنت الوفاة من أمنا فاطمة قربتني اليها ، شمتني في نحري ، قبلتني في صدري قالت لي بني زينب هذه وديعة لي عندك اذا رأيت أخاك الحسين وحيداً فريداً  شميه في نحره قبليه في صدره أما نحره فانه موضع السيوف وأما صدره فانه موضع حوافر الخيول .

 

مقتل الإمام الحسين عليه السلام

        عاد الى قتال العسكر ودخل وسطهم وضربهم بالسيف فضعضع اركان العسكر والرجال تفر من بين يديه وتنحاز عنه يمنةً ويسرى حتى خضَّب الارض بدماء القتلى فجعل يقاتلهم حتى قتل منهم ألوفاً ولا يبين النقص فيهم لكثرتهم ، قال حميد بن مسلم لقد رأيت الحسين يجول بين الصفوف وشيبته مخضوبة بالدم ودرعه بني عليه بنياناً ليس يرى للناظر حتى أثخنوه بالجراح ، هذا والأعداء يحملون عليه وهو يحمل عليهم فينكشفون عنه وهو في ذلك يطلب شربة من الماء فلا يسقوه أبداً ، هذا والعطش أثر بعينيه حتى صار لا يبصر بهما وأثر بلسانه حتى صار كالخشبة اليابسة وأثر بأحشائه بحيث صار الغبار يدخل في فمه وينزل في جوفه أي وآ اماماه ، وأثر العظش في قواه وهو مع ذلك يضرب فيهم بسيفه فصاح عمر بن سعد عليه اللعنة ، صاح بأصحابه : الويل لكم يا حمقاء أتدرون من تقاتلون ؟ هذا ابن الانزع البطين ، هذا ابن قتال العرب ، فحملوا عليه حملة رجل واحد وافترقوا عليه أربعة فرق ضرباً بالسيوف وطعناً بالرماح ورمياً بالسهام ورضخاً بالحجارة ، ولم يزل يقاتل عليه السلام حتى أصابه اثنان وسبعون جراحة ، فوقف يستريح ساعةً وقد ضعف عن القتال فبينما هو واقف اذ رماه أبو الحتوف الجعفي بسهم فوقع على جبهته المباركة ، أخذ الثوب ليمسح الدم عن جبينه الشريف فأتاه سهم مسموم له ثلاث شعب ، فوقع على قلبه الشريف فرفع رأسه الى السماء قائلاً : إلهي تعلم أنهم يقتلون رجلاً ليس على وجه الأرض ابن بنت نبي غيره ، وكلما أراد أن ينتزع ذلك السهم من موضعه لم يتمكن ، انحنى على سرج قربوس فرسه قائلا : بسم الله وبالله وعلى ملة جدي رسول الله فاستخرج السهم من قفاه وجرى الدم كالميزاب من صدر إمامنا الحسين ،  قال الراوي : خرج مع ذلك السهم ثلثا كبد ابي عبد الله ، خر صريعاً الى الارض ، جعل جواده يدور حوله ويأخذ عنانه بأسنانه ويضعه بيد الحسين (ع) مشيراً إليه بالقيام فلما رأى الجواد أن الحسين لا قابلية له على النهوض ، خضَّب ناصيته بدمه ثم أقبل نحو المخيم يحمحم ويصهل صهيلاً عالياً يقول : الظليمة الظليمة لأمةٍ قتلت ابن بنت نبيها ، ما ان وصل إلى المخيم خرجن بنات رسول الله لاستقباله وقد ظنن بأن الحسين عاد مرة ثانية ، خرجن وبينهن زينب  ، نظرن وإذ بالجواد خالٍ من راكبه ، وكأني بزينب :

يا مهر  حسين  وين  حسين  قلي              انا شوفك جيتني تصهل بذلي
والله انا بعد حسين قلي وين أولي               ومالك
 روعت قلبي ما اقدر

        خرجنا بنات رسول الله من الخدور ناشرات الشعور ، على الخدود لاطمات ، للوجوه سافرات ، وبالعويل داعيات ، وبعد العز مذللات ، والى مصرعك مبادرات ، حتى وصلن الى ابي عبد الله وهو ملقىً على وجه الارض والدم يجري من جسده الشريف ، القين بأنفسهن عليه ، هذه تخضب شعرها بدمه ، تلك تشمه ، تلك تظلل عليه من حرارة الشمس بردائها 

فواحدة     تحنو     عليه    تضمه                       واخرى عليه بالرداء تظلله
واخرى بفيض النحر تصبغ شعرها     
                  واخرى تفديه واخرى تقبله

        وكاني بزينب جلست عند راسه سكينة عند رجليه زينب تخاطب سكينة تقول لها : عمه عمه يا ابنة اخي ، عليك باخي ان نجلسه ، عله يتكلم معنا عله يحاكينا .

        بينما هنّ كذلك واذ بشمر قد اقبل وهو يقول تنحي تنحي عنه يا زينب ، هذا وزينب منكبة على اخيها تقبله فوصل اليها ماسكا رمحها وضربها برأس الرمح فوقعت مغمى عليها فتحت عينيها واذ بها ترى راس الحسين على راس الرمح  

        وآحسيناه وآاماماه

يا محمداه  صلى  عليك  مليك  السماء            هذا حسين مرمل بالدماء
مقطع الاعضاء مسلوب العمامة والرداء          
 وشيبته  مخضوبة   بدمائه
                                يداعبها غاد النسيم ورائح

 

يوم الأربعين في عاشوراء

        هذا يوم الاربعين ، لما رجعت القافلة الى كربلا ، كان الامام زين العابدين دائماً يتروى بزينب ، كنا يوصي العائلة بزينب : هالله هالله بزينب ، كان يتحدث عن زينب ، همه الأكبر زينب ، كانت تفيض عينيه بالدموع ، رجعت القافلة يوم الاربعين ، ووصلت زينب الى كربلا الى قبر الحسين (ع) وهي تقول : أخي ابا عبد الله لمن ترت الاطفال والنساء .

        اقبلت القافلة من الشام فارسل معهم يزيد بن معاوية دليلا ليدلهم على الطريق ، وصلت القافلة الى نفترق طرق ، فوقفت القافلة والنساء على المحامل ، وزينب على هودجها ، عليها ستار ، فدنا رسول يزيد من الامام زين العابدين قائلا : سيدي ان يزيد امرني ان امتثل لأمرك ، فمرني سيدي انا في خدمتك : هذا طريق الى المدينة والحجاز ، وهذا طريق الى العراق وكربلا ، لما سمع الامام باسم كربلا صاح ، أيها الجما أمهلني حتى ارى عمتي زينب ، فأقبل (ع) الى عمته زينب ، كشف ستار المحمل ، نادى : عمه زينب هذا طريق الى المدينة والحجاز ، وهذا طريق الى العراق وكربلا ، الى ايهما يا ابنت علي ، لما سمعت باسم كربلا صاحت : يا ابن اخي كربلا كربلا ، خذنا الى كربلاء ، إني مشتاقة الى كربلا ، الى الحسين ، الى اخي ابي الفضل ، اربعين يوم ما شافت كربلا ، أربعين وما ما رأت الحسين ، لما سمعت سكينة من محملها ، كشفت ستار المحمل وصاحت : عمه زينب خذينا الى كربلا اني مشتاقة الى عمي ابي الفضل ، انا لا اريد ماء انما اريد عمي ابي الفضل

        يا جمال بهدوء على قلب النساء

        جلست على الأرض :

انا   اقعد    على   درب                       واسال اللي يروحون ويجون

        سارت القافلة ، مرت لحظات وساعات ، مشت القافلة ، سكينة كشفت ستار المحمل ، توجهت نحو الشام  ونادت : حبيبتي رقية ، نحن ذاهبون الى قبر ابيك ابي عبد الله ، سارت القافلة ووصلت الى كربلاء ، لما وصلت زينب الى مشارف كربلا ، صاحت كربلا كربلا كربلا

صاحت يا وادي كربلا عنك مشينا               بوي   تتصدق    الآدم     علينا
                    
          
وعطايا الخلق كلها منينا

        فرمت النساء بأنفسهن على القبور : ليلى هوت عللى قبر ولدها علي الأكبر ، رملة على بر القاسم ، زينب وسكينة على قبر الحسين ، لما نزلن الى القبور : ليلى تنادي واعلياه ، رملة تنادي واقاسماه ، سكينة تنادي واحسيناه، زينب تنادي وامحمداه .

ليلى    قالت   نصيبي   يا  ابني                       نصيبي   انقطع   منك    نصيبي
يا ابني انا ردتك ذخر ليوم شيبي
                       يا اما وانا المحروم من شمة حبيبي

        رملة تذكرت وصية القاسم :

يا امه ذكريني من تمر زفة شباب                        حنيتي دمعي والجفن ذارف تراب

        زينب اقبلت الى قبر ابي عبد الله ، وكانت تخفي شيئا تحت ردائها ، وضعته في القبر أهالت عليه التراب ، لم يعرف أحد ماذا وضعت ، ولكن عرف الجميع عندما صاحت :

يا خوي انا جيتك وجبت الراس واياي                       من السبي وكانت بيه سلواي

        قامت زينب الى قبر على العلقم ومعها النساء ، لما وصلن النساء ، زينب وضعت يديها على رأسها وصاحت: واعباساه

        عباس يا راعي الشيم هذا محلكم

        صارت تشتكي الى اخيها :

        أخي كلما اراد الشمر ان يضر الناقة يضربها ضربة ويضرب على كتفي ضربة :

        خوي ضربني على متوني وشتمني

هذه زينب ومن قبل كانت                      بفنى دارها تحط الرحال
أمست
    اليوم   يا  لقومي                     تصدق          الانذال